بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الحافظ ابن حجر :
الحديث رقم . 967:
من عبد الله ب. مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيها الشباب من استطاع منكم إعالة زوجته فليتزوج، فإن الزواج يضبط البصر ويحفظ الفرج عن الفواحش، ومن لم يتمكن من الزواج فليصوم فإنه جنة."
الحديث متفق عليه البخاري (1905) ومسلم (1400).
تعليقات الشيخ صالح الفوزان:
هذا الحديث هدى من النبي (صلى الله عليه وسلم) موجه للشباب المسلم خاصة؛ لأن الشهوات والشهوات عند الشباب أقوى، وبالتالي تكون حاجتهم إلى الزواج أعظم. ولهذا السبب شجعهم (صلى الله عليه وسلم) على الزواج.
قوله (صلى الله عليه وسلم): "يا معشر الشباب!" فهذا خطاب للشباب المسلمين، "من استطاع منكم أن ينفق على امرأة" أي قادر على إعالتها وممارسة الجنس معها. لكن المقصود هنا هو الأول: "من كان قادراً على إعالة امرأة فليتزوج." وهذا أمر يدل على وجوب الزواج. وحكم الزواج نفسه مشمول بأحكام الشرع الخمسة:
يمكن أن يكون واجباً على من يخاف على نفسه الغلبة، فمن يخاف على نفسه الفتنة فالنكاح واجب.
قد يكون الزواج حرامًا في ظروف معينة مثل الزواج بالمرأة وهي في العدة [من طلاق أو خلع أو وفاة زوجها] – أو الزواج من امرأة من المحرمات:
"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ." [النساء: 23]
وغير ذلك من الآيات المشتملة على النهي. كما يحرم الزواج على من كان غير قادر على القيام بمسؤوليات الزواج والتزاماته – وغير قادر على القيام بحقوق الزواج، أو قصد إيذائها. فالزواج في هذه الحالة محرم.
فأحكام الزواج تختلف باختلاف الأحوال. فيمكن أن يكون واجباً في حالات معينة، أو مستحباً في حالات أخرى، أو مباحاً، أو محرماً مكروهاً حسب الأحوال.
ثم ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فائدة في الزواج: "إنه يضبط البصر". فإذا تزوج الإنسان وكفاه الله وأغناه بزوجته، فلا ينظر إلى غيرها من النساء. وبطبيعة الحال فإن النظر إلى النساء حرام – والذي يؤدي إلى النظر في أغلب الأحوال هو عدم الزواج. ومن تزوج فإن الله حسبه عز وجل ولا ينظر إلى غيرها من النساء. "إنها حماية للأعضاء التناسلية" من الوقوع في الأفعال الفاحشة.
فمن كانت له شهوة قوية ثم تزوج فتحفظ تلك الشهوات من الفواحش بفعله ما أحل الله له. ففي الزواج ضمان للرجل والمرأة. وهذا في حد ذاته فائدة عظيمة، بل هو أعظم الفوائد. ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "فإنه يضبط البصر ويحفظ الفرج عن الفواحش."
"ومن لم يستطع" فإذا كان في حالة رغبة عاطفية قوية لكنه غير قادر على إعالة الزوجة، فكيف يعالج شهواته ورغباته؟ ويعالج ذلك بالصيام لأنه يكسر الشهوة ويضعفها. والشهوات يمكن أن تكون من الأكل والشرب، فإذا صام الإنسان وترك الطعام والشراب، فإن ذلك يضعف تدفق الدم، ويضعف تلك الرغبة القوية في فعل المحرمات والفواحش. فإنه يضعف الرغبة في النظر إلى الحرام، فيصبح الصيام جنة.
والمصطلح المستخدم في الحديث للدرع هو الويجة وهو في أصله الخصاء، وذلك لأن المخصي ليس له شهوة. فالصيام له نفس الأثر لأنه يضعف الشهوات، وهذا ما أرشدهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا الحديث فيه الأمر بالزواج، خاصة للشباب، وذو الرغبة القوية حتى لا يقضي شهوته فيما حرم الله.
ولا شك أن النظر إلى المحرم يؤدي إلى ما لا محالة من البكاء والندم! ولهذا قال الله عز وجل:
"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم إنه أزكى لهم إن الله خبير بما يفعلون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن" [النور: 30-31]
فالنظر إلى الجنس الآخر فيه مخاطر كامنة لا ينجو منها الإنسان إلا بثلاثة أمور:
1. غض البصر وعدم إرسال النظرات.
2. الزواج للقادر عليه.
<ص>3. والصوم لمن لا يستطيع الزواج فإنه جنة.قال الله تعالى:
"وليعفف الذين لا يجدون مالا للنكاح حتى يغنيهم الله من فضله" [النور: 33]
فأمرهم تعالى بالعفاف. ومن العفة غض البصر والابتعاد عن أماكن الفتنة، وتجنب الاختلاط بالجنس الآخر، فكل ذلك من وسائل الفتنة، والبعد عن هذه الأشياء من العفة.
انتهى.
مقتبس من المجلد 4، صفحة 304، كتاب النكاح (كتاب النكاح) من شرح الشيخ صالح الفوزان لـ بلوغ المرام من العدل في الأحكام للحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ولد 773هـ، توفي 852هـ)، بعنوان تسهيل الإعلام بالفقه-أحاديث من بلغيل-مراموهو مطبوع في سبعة مجلدات.

